أحمد الشرباصي
250
موسوعة اخلاق القرآن
التطبيقي للعهد الذي أخذه المنيب على نفسه بأن يستقيم ويلتزم ، وتقتضي أن تكون أحوال الانسان وتصرفاته وسلوكه عنوانا عمليا لخلق الإنابة . ومن هنا حسن للإمام ابن القيم أن يقول : « فما أناب إلى اللّه من خان عهده وغدر به ، كما أنه لم ينب اليه من لم يدخل تحت عهده ، فالإنابة لا تتحقق إلا بالتزام العهد والوفاء به » . وفضيلة الإنابة تنبثق من خلال المعرفة ، فإذا عرف الانسان ربّه ، واستحضر جلاله في صدره ، وتدبر آياته ، دخل باب الإنابة ، ولذلك قال الحارث المحاسبي : « المعرفة تورث الإنابة » . وقد يؤكد لنا هذا ما روته السنة بشأن حارثة بن سراقة الأنصاري ، فعن أنس رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لقي حارثة هذا ، فقال له : كيف أصبحت يا حارثة ؟ فأجابه : أصبحت مؤمنا باللّه حقا . فقال الرسول : انظر ما ذا تقول ، فان لكلّ قول حقيقة . فقال حارثة : يا رسول اللّه ، عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، وكأني بعرش ربي عزّ وجل بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها . فقال عليه الصلاة والسّلام : يا حارثة ، عرفت فالزم . ثم قال النبي معجبا به : « عبد نوّر اللّه الايمان في قلبه » . * * ولقد جاء ذكر الإنابة في خمسة عشر موضعا من القرآن الكريم ، واللّه تبارك وتعالى يدعو إليها عباده وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلون ، فيقول لرسوله صلوات اللّه وسلامه عليه ومن ورائه أتباعه في سورة الروم : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . ويقول في سورة الزمر : « وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ » . وفي سورة لقمان :